علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

147

ثمرات الأوراق

وكرامة ! ثم اندفع يحدّثه رافعا صوته ليسمع سابور ويفهم الغرض ويستأنس ؛ فقال : اعلم أيّها المطران أنّه كان ببلادنا فتى وفتاة ليس في زمانها أحسن منهما ، اسم الفتى « عين أهله » واسم الفتاة « سيّدة النّار » « 1 » ، وكانا زوجين مؤتلفين ، لا يبتغي أحدهما بالآخر بديلا . ثم إنّ عين أهله جلس يوما مع أصحابه فتذكروا النّساء إلى أن ذكر أحدهم امرأة أطنب في وصفها وبالغ ، وذكر أنّ اسمها « سيّدة الذّهب » ، فوقع في قلب عين أهله حبّها ، فسأل الواصف عن منزلها ، فذكر أنّها ببلد بالقرب من بلده ، ففكّر عين أهله في أمرها ، وخامره « 2 » حبّها . فانطلق إلى البلد الّذي هي ساكنة به ، وسأل عن منزلها فعرفه ، ولم يزل يتردّد إلى بابها حتّى رآها ، فرأى منظرا حسنا ، ولكن لم تكن بأحسن من امرأته ، بل ضرورات النّفس حبّ التنقّل في الأحوال ، ولازم عين أهله المعاودة إلى منزل سيدة الذهب حتى فطن له بعلها . وكان جافيا غليظ الطبع شديد البطش ، يسمّى الذئب ، فرصد له عين أهله حتّى مرّ به . فلمّا رآه وثب عليه وقتل فرسه ، ومزّق ثيابه ، واستعان بجماعته عليه ، فاحتملوه إلى داخل دار الذّئب ، وربطوه إلى سارية في الدّار ، ووكل به عجوزا مقطوعة اليد جدعاء « 3 » عوراء شوهاء . فلمّا جنّ عليه الليل أوقدت تلك العجوز النّار « 4 » بالقرب منه ، وجعلت تصطلي ؛ فذكر عين أهله ما كان فيه من السّلامة والعافية والرّفاهية والعزّ ، فبكى بكاء شديدا ، فأقبلت عليه العجوز ، وقالت [ له ] « 5 » : ما ذنبك الّذي أوجب هذا ؟ فقال عين أهله : ما علمت لي ذنبا ، فقالت العجوز : هكذا قال الفرس للخنزير وكذب ، فقال عين أهله للعجوز : وما الّذي كذب فيه الفرس عند الخنزير ؟ فقالت له العجوز : ذكروا أنّ فرسا كان لأحد الشّجعان ، فكان يبالغ في إكرامه ، ويحسن إليه ويعدّه لمهمّاته ، ولا يصبر عنه ساعة . وكان يخرج به صحبته كلّ يوم ، فيزيل لجامه وسرجه ، ويطيل رسنه فيتمرّغ ، ويرعى في كلّ مرج مخصب حتى يرتفع النّهار ، فيردّه وهو على يده . ثمّ إنّه خرج يوما إلى المرج راكبا ، ونزل عنه ، فلمّا استقرّت قدماه على الأرض ، نفر الفرس وجمح ، ومرّ يعدو بسرجه ولجامه ، فطلبه الفارس يومه « 6 » كلّه فأعجزه ، وغاب عن عينه عند غروب الشّمس ، فرجع الفارس إلى أهله وقد يئس من الفرس .

--> ( 1 ) كذا في ب ، وفي باقي الأصول : « الناس » . ( 2 ) خامره : خالطه . ( 3 ) جدعاء : مقطوعة الأنف . ( 4 ) « نارا » . ( 5 ) من ط . ( 6 ) ب : « يوما » .